صديق الحسيني القنوجي البخاري
506
فتح البيان في مقاصد القرآن
فهل يقول عاقل بأن ربط هذه المسببات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق أو ينافيه بوجه من الوجوه . فلو قال قائل : أنا لا آكل ولا أشرب بل انتظر القضاء فإن قدر اللّه لي ذلك كان وإن لم يقدر لم يكن ، أو قال قائل أنا لا أزرع الزرع ولا أغرس الشجر وأنتظر القضاء ، فإن قدر اللّه ذلك كان وإن لم يقدره لم يكن ، أو قال قائل : أنا لا أجامع زوجتي أو أمتي لتحصل لي منهما الذرية بل إن قدر اللّه كان وإن لم يقدره لم يكن . لكان هذا مخالفا لما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما جاءت به كتبه وما كان عليه صلحاء الأمة وعلماؤها ، بل يكون مخالفا لما عليه هذا النوع الإنساني من أبينا آدم إلى الآن ، بل مخالفا لما عليه جميع أنواع الحيوانات في البر والبحر . فكيف ينكر وصول العبد إلى الخير بدعائه أو بعمله الصالح فإن هذا من الأسباب التي ربط اللّه مسبباتها بها وعلمها قبل أن تكون ، فعلمه على كل تقدير أزلي في المسببات والأسباب ، ولا شك من له اطلاع على كتاب اللّه عزّ وجلّ ما اشتمل عليه من ترتيب حصول المسببات على أسبابها كما في قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] وقوله فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [ نوح : 10 - 12 ] وقوله لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] وقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] وقوله فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ الصافات : 143 ، 144 ] . وكم يعد العاد من أمثال هذه الآيات القرآنية وما ورد موردها من الأحاديث النبوية وهل ينكر هؤلاء الغلاة مثل هذا ويجعلونه مخالفا لسبق العلم مباينا لأزليته ، فإن قالوا : نعم فقد أنكروا ما في كتاب اللّه عزّ وجلّ من فاتحته إلى خاتمته ، وما في السنة المطهرة من أولها إلى آخرها بل أنكروا أحكام الدنيا والآخرة لأنها كلها مسببات مترتبة على أسبابها وجزاءات معلقة بشروطها ومن بلغ إلى هذا الحد في الغباوة وعدم تعقل الحجة لم يستحق المناظرة ولا ينبغي معه الكلام فيما يتعلق بالدين بل ينبغي إلزامه بإهمال أسباب ما فيه صلاح معاشه وأمر دنياه حتى ينتعش من غفلته ويستيقظ من نومته ويرجع عن ضلالته وجهالته ، والهداية تبري الحول والقوة ولا خير إلا خيره . ثم يقال لهم هذه الأدعية الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في دواوين الإسلام وما يلتحق بها من كتب السنة المطهرة قد علم كل من له علم أنها كثيرة جدا بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلف بسيط ومصنف حافل ، وفيها تارة استجلاب الخير وفي أخرى استدفاع الشر وتارة متعلقة بأمور الدنيا وتارة بأمور الآخرة ومن ذلك تعليمه صلى اللّه عليه وسلم لأمته